ابن عساكر

216

تاريخ مدينة دمشق

قال لما قدم زياد الكوفة أميرا أكرم حجر بن الأدبر وأدناه فلما أراد الانحدار إلى البصرة دعاه فقال يا حجر انك قد رأيت ما صنعت بك واني أريد البصرة وأحب أن تشخص معي واني أكره أن تخلف بعدي فعسى أن أبلغ عنك شيئا فيقع في نفسي فإذا كنت معي لم يقع في نفسي من ذاك شئ فقد علمت رأيك في علي بن أبي طالب وقد كان رأيي فيه قبلك على مثل رأيك فلما رأيت الله صرف ذلك الأمر عنه إلى معاوية لم اتهم الله ورضيت به وقد رأيت ما صار أمر علي وأصحابه واني أحذرك أن تركب ( 1 ) اعجاز أمور هلك من ركب صدرها فقال له حجر أني مريض ولا أستطيع الشخوص معك قال صدقت والله إنك لمريض مريض ( 2 ) الدين مريض القلب مريض العقل وأيم والله لئن بلغني عنك شئ أكرهه لأحرصن على قتلك فانظر إلى نفسك أو دع فخرج زياد فلحق بالبصرة واجتمع إلى حجر قراء أهل الكوفة فجعل عامل زياد لا ينفذ له أمر ولا يريد شيئا إلا منعوه إياه فكتب إلى زياد أني والله ما أنا في شئ وقد منعني حجر وأصحابه كل شئ فأنت اعلم فركب زياد بعماله حتى اقتحم الكوفة فلما قدمها تغيب حجر وأصحابه فجعل يطلبه فلا يقدر عليه فبينما هو جالس يوما وأصحاب الكراسي حوله فيهم الأشعث ( 3 ) بن قيس إذ أتى الأشعث ابنه محمد فناجاه وبلغه أن حجرا قد لجأ إلى منزله فقال له زياد ما قال لك ابنك قال لا شئ قال والله لتخبرني ما قال لك حتى اعلم انك قد صدقت أو لا تبرح مجلسك حتى أقتلك فلما عرف الأشعث اخبره فقال لرجل من أهل الكوفة من أشرافهم قم فائتني به قال اعفني أصلحك الله من ذلك ابعث غيري قال لعنة الله عليك خبيثا مخبثا والله لتأتيني به وألا قتلتك فخرج الرجل حتى دخل عليه فأخذه وأخبر حجر الخبر فقال له ابعث إلى جرير بن عبد الله فليكلمه فيك فإني أخاف أن يعجل عليك فدخل جرير على زياد فكلمه فقال هو آمن من أن اقتله ولكن أخرجه فابعث به إلى معاوية فجاء به على ذلك

--> ( 1 ) بالأصل " نزلت " والمثبت عن بغية الطلب . ( 2 ) بالأصل " مرض " والمثبت عن بغية الطلب والمختصر . ( 3 ) الخبر نقله ابن العديم في بغية الطلب 5 / 2120 وعقب عليه : قلت هكذا جاء في هذه الرواية منهم " الأشعث بن قيس " وهو وهم فاحش ، فإن هذه القصة كانت في سنة إحدى وخمسين أو في سنة خمسين ، والأشعث مات في سنة أربعين قبل هذه الوقعة بإحدى عشرة سنة ، وقد ذكرنا فيما نقلناه من ابن ديزيل أن الذي طلب منه معاوية ( الصواب : زياد ) إحضار حجر إليه هو محمد بن الأشعث . وقال ابن العديم : والعجب أن الحافظ أبا القاسم ذكر هذه القصة بهذا الإسناد ولم ينبه على هذا الوهم .